في السادس والعشرين من فبراير/شباط 2026، أتيحت لي فرصة إلقاء محاضرة ضمن حلقة دراسات عليا في الإدارة العامة في جامعة ميزوري – كانساس سيتي. كان عنوانها “القيادة التكيفية في البيئات الهشّة”، وقد حاولتُ من خلالها أن أنقل خلاصة تجربة امتدت لنحو عقدين من العمل الميداني في طرابلس، لبنان، حيث تتشكّل القيادة في غياب السلطة، وتُختبر الأفكار في ظروف لا تسمح برفاهية التنظير المجرد. ما يلي ليس عرضًا أكاديميًا بقدر ما هو محاولة لتأطير دروسٍ وُلدت في الممارسة، حين تتعطل الأطر التقليدية، ويُطلب من الأفراد أن يقودوا دون أن يُطلب منهم ذلك.
ما معنى أن تقود حين لا أحد طلب منك ذلك؟ حين لا يحمل بابك لقبًا، ولا يقف خلف اسمك أي سند مؤسسي، ولا تملك يقينًا بما سيأتي؟
بالنسبة لي، لم تكن هذه أسئلة نظرية، بل كانت السياق الطبيعي للعمل. أنا من طرابلس، ثاني أكبر مدن لبنان، وإحدى أكثرها تهميشًا اقتصاديًا. في هذه المدينة، لا تُفهم القيادة بوصفها امتيازًا تنظيميًا، بل بوصفها استجابة لفراغٍ لا ينتظر أحدًا ليملأه.
هذا الفراغ يتجلى بوضوح في العلاقة الملتبسة بين المجتمع والدولة. في تقييم أجريناه عقب جائحة كورونا، أفادت الغالبية الساحقة من العائلات بأنها لم تتلقَّ أي دعم من أي جهة رسمية أو غير رسمية. لم تكن الدولة بالنسبة لكثيرين حضورًا مخيبًا، بل كانت غيابًا كاملًا. ومع ذلك، وخلال العقد الماضي، شهدت المدينة إطلاق أكثر من مئة وثلاثين مبادرة مجتمعية، قادها أفراد بلا موارد تُذكر، وبلا صفة رسمية، وبلا إذن مسبق. هذا التناقض، بين غياب الدولة ووفرة المبادرة، هو ما شكّل مدخلي لفهم معنى القيادة في مثل هذه السياقات.
لقد قادتني هذه التجربة إلى إعادة النظر في ثلاث مسلّمات شائعة في أدبيات القيادة والإدارة، واستبدالها بثلاث ركائز أراها أكثر ملاءمة للبيئات الهشّة: الشرعية قبل السلطة، الوضوح قبل اليقين، والتفكير الاستراتيجي قبل رد الفعل التشغيلي.
الركيزة الأولى: الشرعية قبل السلطة
كان أحد أكثر اللحظات تأثيرًا في مساري المهني بسيطًا في ظاهره، عميقًا في أثره. دخلتُ اجتماعًا مجتمعيًا وأنا أحمل كل ما يُفترض أن يحمله مدير مشروع: خطة واضحة، تحليل لأصحاب المصلحة، ومنطق متماسك للتدخل. قبل أن أبدأ، قاطعني أحد الحضور بسؤال واحد: من أنت؟
لم يكن السؤال استفسارًا شخصيًا، بل كان اختبارًا للشرعية. في البيئات الهشّة، لا تبدأ المشكلة بالاستراتيجية، بل بالثقة. الاستراتيجية تجيب عن سؤال “ماذا نفعل”، لكن الثقة تجيب عن سؤال “لماذا أنت تحديدًا؟”. ومن دون إجابة مقنعة على السؤال الثاني، تنهار الأولى مهما بلغت من إحكام.
من هنا، يصبح اكتساب الشرعية شرطًا سابقًا لأي ممارسة قيادية. وهذه الشرعية لا تُستمد من موقع رسمي، بل من علاقة تُبنى مع المجتمع، ومن قدرة على الحضور الصادق، ومن اتساق بين القول والفعل. غير أن هذا الفهم يطرح معضلة أخرى: كيف نتحرك لملء الفراغ دون أن نتحول إلى بديل دائم عن المؤسسات المفترض أن تقوم بهذا الدور؟
التجربة اللبنانية تقدّم مثالًا حيًا على خطورة هذا الانزلاق. حين تتحول المبادرات غير الرسمية من سدّ فجوات مؤقتة إلى بدائل مستقرة، يبدأ النظام بالانكماش، وتُعاد إنتاج علاقات التبعية في صورة جديدة، تُعرف محليًا بالزبائنية. هنا، لا يُحلّ الخلل، بل يُعاد تنظيمه حول فاعلين جدد. لذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في التحرك فحسب، بل في تصميم تدخلات تقيس نجاحها بمدى تعزيزها للمؤسسات، لا بمدى استبدالها لها. القيادة، في هذا المعنى، ليست استحواذًا على النظام، بل مساهمة في استعادته لعافيته.
الركيزة الثانية: الوضوح قبل اليقين
في بيئات تتسم بعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، يصبح اليقين ترفًا غير متاح. لم يكن بوسعي يومًا أن أضمن النتائج، لكنني تعلمت أن المشكلة ليست في غياب اليقين، بل في حضور الارتباك. ثمة فرق جوهري بين الاثنين: عدم اليقين ناتج عن عوامل خارجية، أما الارتباك فهو نتاج خلل داخلي في الفهم والتنظيم.
حين لا يعرف الأفراد لماذا هم هنا، أو من المسؤول عن ماذا، أو ما الخطوة التالية، فإن الفريق يبدأ بالانهيار من الداخل، حتى لو كانت البيئة الخارجية مستقرة نسبيًا. لذلك، يصبح دور القيادة في هذه السياقات هو حماية حدّ أدنى من الوضوح: وضوح الهدف، وضوح الأدوار، وضوح النطاق، ووضوح الخطوة القادمة.
غير أن الوضوح لا يقتصر على الداخل التنظيمي، بل يمتد إلى المجتمع الأوسع. ولعلّ أزمة الأبنية المهددة بالانهيار في طرابلس تقدّم مثالًا صارخًا على أثر غياب المعلومة. أسئلة أساسية بقيت دون إجابة واضحة: ما المعايير المعتمدة لتصنيف الأبنية؟ من الجهة المخوّلة باتخاذ القرار؟ ما حقوق السكان؟ وما البدائل المتاحة لهم؟ في غياب إجابات متماسكة، ملأت الشائعات الفراغ، وتحول القلق إلى سلوك جماعي.
جزء كبير من هذا التعقيد لا يرتبط بطبيعة الأزمة بقدر ما يرتبط بإدارة المعلومة. فوجود منصة شفافة، تتيح للناس فهم ما يحدث وما لا يحدث، يمكن أن يخفف من حدة الأزمة حتى دون حلها بالكامل. الشفافية هنا ليست قيمة أخلاقية فحسب، بل أداة عملية لإعادة بناء الثقة.
في المقابل، يُعدّ الصمت أحد أخطر ما يمكن أن تمارسه المؤسسات في مثل هذه السياقات. حين تغيب الإجابات، لا يفسّر الناس ذلك بوصفه حذرًا، بل بوصفه تخليًا. الصمت يفتح المجال لأسوأ التأويلات، ويقوّض ما تبقى من رصيد الثقة. لذلك، فإن الاعتراف بعدم اكتمال المعرفة، مع مشاركة ما هو متاح منها، يُعدّ فعلًا قياديًا بامتياز.
الركيزة الثالثة: التفكير الاستراتيجي قبل رد الفعل التشغيلي
في مدن تعيش على إيقاع الأزمات، يصبح الانشغال الدائم بإدارة الطوارئ أمرًا مفهومًا، لكنه يحمل في طياته خطرًا بنيويًا. فالتعامل مع كل أزمة بوصفها حدثًا منفصلًا يؤدي إلى تكرارها بأشكال مختلفة. هنا، يبرز الفرق بين مسارين متوازيين: مسار التشغيل، الذي يركّز على إخماد الحرائق، ومسار الاستراتيجية، الذي يسعى إلى بناء منظومة تمنع اندلاعها.
المشكلة ليست في ضعف المسار الأول، بل في غياب الثاني. إذ غالبًا ما تُكافئ الأنظمة السياسية والاجتماعية الاستجابة السريعة للأزمات، لما تحققه من حضور ورضا فوري، في حين يُهمَل العمل البطيء، الأقل ظهورًا، المرتبط بمعالجة الجذور. أزمة الأبنية في طرابلس، على سبيل المثال، ليست نتيجة حادث طارئ، بل حصيلة تراكمات تمتد لعقود من ضعف الرقابة، والتدهور الاقتصادي، وغياب التخطيط الحضري الفعّال.
التفكير الاستراتيجي، في هذا السياق، يطرح أسئلة مختلفة: ماذا سيتغير بعد انتهاء الأزمة؟ ما القدرات التي بُنيت؟ ما الذي سيمنع تكرار السيناريو نفسه؟ هذه الأسئلة لا تجد مكانها في منطق الاستجابة السريعة، لكنها أساسية لأي محاولة لإحداث أثر مستدام.
من هنا، يكتسب مبدأ “فكّر عالميًا، واعمل محليًا” معنى عمليًا. فالفهم العميق للبنية التي أنتجت المشكلة ضروري لتجنب معالجتها سطحيًا، لكن هذا الفهم لا يجب أن يتحول إلى عائق أمام الفعل. التحدي يكمن في الجمع بين وعيٍ بالبنية، والتزامٍ بالفعل ضمن حدود الممكن. ليس المطلوب إعادة بناء النظام بأكمله، بل تقوية الجزء الذي يمكن الوصول إليه، بطريقة تترك أثرًا يتجاوز اللحظة الراهنة.
إن ما حاولتُ تقديمه هنا يتجاوز حدود طرابلس، رغم انبثاقه منها. فكل نظام، مهما بدا مستقرًا، يحتوي على مناطق هشّة، وكل مؤسسة تعرف لحظات يغيب فيها الوضوح، وكل مجتمع يختبر فجوات في المسؤولية. في هذه اللحظات تحديدًا، لا تُعرَّف القيادة بالمنصب، بل بالفعل.
من يملأ الفراغ حين لا يكون أحد مسؤولًا بشكل واضح؟
وهل يُسهم هذا الفعل في تقوية النظام أم في استبداله؟
هل يُبنى الوضوح حين يغيب اليقين؟
وهل يوجد من يفكر في ما بعد الأزمة، بينما ينشغل الجميع بإدارتها؟
إن لم تكن الإجابة واضحة، فربما تكمن الدعوة هنا:
القيادة ليست موقعًا ننتظره، بل ممارسة نختارها، كل يوم، وفي أي مساحة يمكننا التأثير فيها.
ما معنى أن تقود حين لا أحد طلب منك ذلك؟ حين لا يحمل بابك لقبًا، ولا يقف خلف اسمك أي سند مؤسسي، ولا تملك يقينًا بما سيأتي؟
بالنسبة لي، لم تكن هذه أسئلة نظرية، بل كانت السياق الطبيعي للعمل. أنا من طرابلس، ثاني أكبر مدن لبنان، وإحدى أكثرها تهميشًا اقتصاديًا. في هذه المدينة، لا تُفهم القيادة بوصفها امتيازًا تنظيميًا، بل بوصفها استجابة لفراغٍ لا ينتظر أحدًا ليملأه.
هذا الفراغ يتجلى بوضوح في العلاقة الملتبسة بين المجتمع والدولة. في تقييم أجريناه عقب جائحة كورونا، أفادت الغالبية الساحقة من العائلات بأنها لم تتلقَّ أي دعم من أي جهة رسمية أو غير رسمية. لم تكن الدولة بالنسبة لكثيرين حضورًا مخيبًا، بل كانت غيابًا كاملًا. ومع ذلك، وخلال العقد الماضي، شهدت المدينة إطلاق أكثر من مئة وثلاثين مبادرة مجتمعية، قادها أفراد بلا موارد تُذكر، وبلا صفة رسمية، وبلا إذن مسبق. هذا التناقض، بين غياب الدولة ووفرة المبادرة، هو ما شكّل مدخلي لفهم معنى القيادة في مثل هذه السياقات.
لقد قادتني هذه التجربة إلى إعادة النظر في ثلاث مسلّمات شائعة في أدبيات القيادة والإدارة، واستبدالها بثلاث ركائز أراها أكثر ملاءمة للبيئات الهشّة: الشرعية قبل السلطة، الوضوح قبل اليقين، والتفكير الاستراتيجي قبل رد الفعل التشغيلي.
الركيزة الأولى: الشرعية قبل السلطة
كان أحد أكثر اللحظات تأثيرًا في مساري المهني بسيطًا في ظاهره، عميقًا في أثره. دخلتُ اجتماعًا مجتمعيًا وأنا أحمل كل ما يُفترض أن يحمله مدير مشروع: خطة واضحة، تحليل لأصحاب المصلحة، ومنطق متماسك للتدخل. قبل أن أبدأ، قاطعني أحد الحضور بسؤال واحد: من أنت؟
لم يكن السؤال استفسارًا شخصيًا، بل كان اختبارًا للشرعية. في البيئات الهشّة، لا تبدأ المشكلة بالاستراتيجية، بل بالثقة. الاستراتيجية تجيب عن سؤال “ماذا نفعل”، لكن الثقة تجيب عن سؤال “لماذا أنت تحديدًا؟”. ومن دون إجابة مقنعة على السؤال الثاني، تنهار الأولى مهما بلغت من إحكام.
من هنا، يصبح اكتساب الشرعية شرطًا سابقًا لأي ممارسة قيادية. وهذه الشرعية لا تُستمد من موقع رسمي، بل من علاقة تُبنى مع المجتمع، ومن قدرة على الحضور الصادق، ومن اتساق بين القول والفعل. غير أن هذا الفهم يطرح معضلة أخرى: كيف نتحرك لملء الفراغ دون أن نتحول إلى بديل دائم عن المؤسسات المفترض أن تقوم بهذا الدور؟
التجربة اللبنانية تقدّم مثالًا حيًا على خطورة هذا الانزلاق. حين تتحول المبادرات غير الرسمية من سدّ فجوات مؤقتة إلى بدائل مستقرة، يبدأ النظام بالانكماش، وتُعاد إنتاج علاقات التبعية في صورة جديدة، تُعرف محليًا بالزبائنية. هنا، لا يُحلّ الخلل، بل يُعاد تنظيمه حول فاعلين جدد. لذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في التحرك فحسب، بل في تصميم تدخلات تقيس نجاحها بمدى تعزيزها للمؤسسات، لا بمدى استبدالها لها. القيادة، في هذا المعنى، ليست استحواذًا على النظام، بل مساهمة في استعادته لعافيته.
الركيزة الثانية: الوضوح قبل اليقين
في بيئات تتسم بعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، يصبح اليقين ترفًا غير متاح. لم يكن بوسعي يومًا أن أضمن النتائج، لكنني تعلمت أن المشكلة ليست في غياب اليقين، بل في حضور الارتباك. ثمة فرق جوهري بين الاثنين: عدم اليقين ناتج عن عوامل خارجية، أما الارتباك فهو نتاج خلل داخلي في الفهم والتنظيم.
حين لا يعرف الأفراد لماذا هم هنا، أو من المسؤول عن ماذا، أو ما الخطوة التالية، فإن الفريق يبدأ بالانهيار من الداخل، حتى لو كانت البيئة الخارجية مستقرة نسبيًا. لذلك، يصبح دور القيادة في هذه السياقات هو حماية حدّ أدنى من الوضوح: وضوح الهدف، وضوح الأدوار، وضوح النطاق، ووضوح الخطوة القادمة.
غير أن الوضوح لا يقتصر على الداخل التنظيمي، بل يمتد إلى المجتمع الأوسع. ولعلّ أزمة الأبنية المهددة بالانهيار في طرابلس تقدّم مثالًا صارخًا على أثر غياب المعلومة. أسئلة أساسية بقيت دون إجابة واضحة: ما المعايير المعتمدة لتصنيف الأبنية؟ من الجهة المخوّلة باتخاذ القرار؟ ما حقوق السكان؟ وما البدائل المتاحة لهم؟ في غياب إجابات متماسكة، ملأت الشائعات الفراغ، وتحول القلق إلى سلوك جماعي.
جزء كبير من هذا التعقيد لا يرتبط بطبيعة الأزمة بقدر ما يرتبط بإدارة المعلومة. فوجود منصة شفافة، تتيح للناس فهم ما يحدث وما لا يحدث، يمكن أن يخفف من حدة الأزمة حتى دون حلها بالكامل. الشفافية هنا ليست قيمة أخلاقية فحسب، بل أداة عملية لإعادة بناء الثقة.
في المقابل، يُعدّ الصمت أحد أخطر ما يمكن أن تمارسه المؤسسات في مثل هذه السياقات. حين تغيب الإجابات، لا يفسّر الناس ذلك بوصفه حذرًا، بل بوصفه تخليًا. الصمت يفتح المجال لأسوأ التأويلات، ويقوّض ما تبقى من رصيد الثقة. لذلك، فإن الاعتراف بعدم اكتمال المعرفة، مع مشاركة ما هو متاح منها، يُعدّ فعلًا قياديًا بامتياز.
الركيزة الثالثة: التفكير الاستراتيجي قبل رد الفعل التشغيلي
في مدن تعيش على إيقاع الأزمات، يصبح الانشغال الدائم بإدارة الطوارئ أمرًا مفهومًا، لكنه يحمل في طياته خطرًا بنيويًا. فالتعامل مع كل أزمة بوصفها حدثًا منفصلًا يؤدي إلى تكرارها بأشكال مختلفة. هنا، يبرز الفرق بين مسارين متوازيين: مسار التشغيل، الذي يركّز على إخماد الحرائق، ومسار الاستراتيجية، الذي يسعى إلى بناء منظومة تمنع اندلاعها.
المشكلة ليست في ضعف المسار الأول، بل في غياب الثاني. إذ غالبًا ما تُكافئ الأنظمة السياسية والاجتماعية الاستجابة السريعة للأزمات، لما تحققه من حضور ورضا فوري، في حين يُهمَل العمل البطيء، الأقل ظهورًا، المرتبط بمعالجة الجذور. أزمة الأبنية في طرابلس، على سبيل المثال، ليست نتيجة حادث طارئ، بل حصيلة تراكمات تمتد لعقود من ضعف الرقابة، والتدهور الاقتصادي، وغياب التخطيط الحضري الفعّال.
التفكير الاستراتيجي، في هذا السياق، يطرح أسئلة مختلفة: ماذا سيتغير بعد انتهاء الأزمة؟ ما القدرات التي بُنيت؟ ما الذي سيمنع تكرار السيناريو نفسه؟ هذه الأسئلة لا تجد مكانها في منطق الاستجابة السريعة، لكنها أساسية لأي محاولة لإحداث أثر مستدام.
من هنا، يكتسب مبدأ “فكّر عالميًا، واعمل محليًا” معنى عمليًا. فالفهم العميق للبنية التي أنتجت المشكلة ضروري لتجنب معالجتها سطحيًا، لكن هذا الفهم لا يجب أن يتحول إلى عائق أمام الفعل. التحدي يكمن في الجمع بين وعيٍ بالبنية، والتزامٍ بالفعل ضمن حدود الممكن. ليس المطلوب إعادة بناء النظام بأكمله، بل تقوية الجزء الذي يمكن الوصول إليه، بطريقة تترك أثرًا يتجاوز اللحظة الراهنة.
إن ما حاولتُ تقديمه هنا يتجاوز حدود طرابلس، رغم انبثاقه منها. فكل نظام، مهما بدا مستقرًا، يحتوي على مناطق هشّة، وكل مؤسسة تعرف لحظات يغيب فيها الوضوح، وكل مجتمع يختبر فجوات في المسؤولية. في هذه اللحظات تحديدًا، لا تُعرَّف القيادة بالمنصب، بل بالفعل.
من يملأ الفراغ حين لا يكون أحد مسؤولًا بشكل واضح؟
وهل يُسهم هذا الفعل في تقوية النظام أم في استبداله؟
هل يُبنى الوضوح حين يغيب اليقين؟
وهل يوجد من يفكر في ما بعد الأزمة، بينما ينشغل الجميع بإدارتها؟
إن لم تكن الإجابة واضحة، فربما تكمن الدعوة هنا:
القيادة ليست موقعًا ننتظره، بل ممارسة نختارها، كل يوم، وفي أي مساحة يمكننا التأثير فيها.
