التصنيف مقالات

مساحةٌ للكتابة المتأنّية التي تتجاوز الخبر العابر إلى الفهم العميق، حيث تتقاطع الفكرة مع التجربة، والتحليل مع البصيرة. تضمّ هذه المقالات قراءاتٍ في الإنسان والمجتمع، وتأمُلاتٍ في الواقع وتحولاته، وسعيًا دائماً نحو إدراك المعنى خلف الأحداث.

لُبنانُ بَينَ وَهمَين قاتِلَين

لبنانُ في خطر. وهذه ليست مبالغة، بل توصيف. والخطرُ هنا ليس فقط خطرَ حربٍ أو عدوانٍ عابر، بل خطرٌ وجوديٌّ يتعلّق بسؤالٍ بسيطٍ ومصيريّ: من يحمي هذا البلد؟

لقد آن الأوان لأن نعترف بحقيقة طال التهرّب منها: لبنان، بهذا الحجم وبهذه البنية وبهذا الموقع، لا يستطيع أن يكون دولةَ سيادةٍ عسكريّة مكتفيةٍ بذاتها بالمعنى الصلب للكلمة. ولم يُصنَع أصلاً على هذا النحو. فمنذ نشأته، عاش هذا الكيانُ على توازناتٍ أكبرَ منه، وعلى وقائعَ إقليميّةٍ تحيط به وتضغط عليه وتحدّد هامشَ حركته. لذلك فإنّ كثيراً من الخطاب اللبنانيّ السائد اليوم ليس فقط ساذجاً، بل خطيرٌ أيضاً، لأنّه يبيع الناسَ أوهاماً سياسيّةً في لحظةٍ لا تحتمل الأوهام.

القيادة المتكيّفة في البيئات الهشّة

في السادس والعشرين من فبراير/شباط 2026، أتيحت لي فرصة إلقاء محاضرة ضمن حلقة دراسات عليا في الإدارة العامة في جامعة ميزوري – كانساس سيتي. كان عنوانها “القيادة التكيفية في البيئات الهشّة”، وقد حاولتُ من خلالها أن أنقل خلاصة تجربة امتدت لخمسة عشر عامًا من العمل الميداني في طرابلس، لبنان، حيث تتشكّل القيادة في غياب السلطة، وتُختبر الأفكار في ظروف لا تسمح برفاهية التنظير المجرد. ما يلي ليس عرضًا أكاديميًا بقدر ما هو محاولة لتأطير دروسٍ وُلدت في الممارسة، حين تتعطل الأطر التقليدية، ويُطلب من الأفراد أن يقودوا دون أن يُطلب منهم ذلك.

بَينَ المِثالِ والتَّطبيق: كيفَ نقرأُ التاريخَ الإسلاميّ؟

من أكثر الأبواب التي يضطرب فيها النظر عند كثيرٍ من الناس بابُ التاريخ الإسلاميّ. وليس منشأ الاضطراب دائماً نقص المعلومات، ولا قلّة الاطّلاع على الوقائع، بل كثيراً ما يكون منشأَه فسادُ المنهج الذي تُقرأ به تلك الوقائع. فثمّة من ينظر إلى التاريخ الإسلاميّ نظرةً تمجيديّةً خاماً، كأنّ كلَّ ما وقع فيه كان امتداداً نقيّاً للوحي، وتجسيداً كاملاً للرسالة، فلا يكاد يفرّق بين الإسلام وبين كلّ ما فعله المسلمون. وفي المقابل، ثمّة من ينظر إليه بعينٍ هدميّةٍ معاكسة، فيرى ما وقع فيه من فتنةٍ أو ظلمٍ أو تنازعٍ أو انحراف، فيجعل ذلك كلَّه طعناً في أصل الرسالة نفسها، وكأنّ فسادَ بعض التطبيق كافٍ لإبطال المثال الذي يُفترض أنّه طُبِّق.