لُبنانُ بَينَ وَهمَين قاتِلَين

لبنانُ في خطر. وهذه ليست مبالغة، بل توصيف. والخطرُ هنا ليس فقط خطرَ حربٍ أو عدوانٍ عابر، بل خطرٌ وجوديٌّ يتعلّق بسؤالٍ بسيطٍ ومصيريّ: من يحمي هذا البلد؟

لقد آن الأوان لأن نعترف بحقيقة طال التهرّب منها: لبنان، بهذا الحجم وبهذه البنية وبهذا الموقع، لا يستطيع أن يكون دولةَ سيادةٍ عسكريّة مكتفيةٍ بذاتها بالمعنى الصلب للكلمة. ولم يُصنَع أصلاً على هذا النحو. فمنذ نشأته، عاش هذا الكيانُ على توازناتٍ أكبرَ منه، وعلى وقائعَ إقليميّةٍ تحيط به وتضغط عليه وتحدّد هامشَ حركته. لذلك فإنّ كثيراً من الخطاب اللبنانيّ السائد اليوم ليس فقط ساذجاً، بل خطيرٌ أيضاً، لأنّه يبيع الناسَ أوهاماً سياسيّةً في لحظةٍ لا تحتمل الأوهام.

في السِّيادةِ والحمايةِ والتَّموضُعِ الواقعيّ


خَطَرٌ وُجوديٌّ لا يَحتمِلُ الأَوهام

لبنانُ في خطر. وهذه ليست مبالغة، بل توصيف. والخطرُ هنا ليس فقط خطرَ حربٍ أو عدوانٍ عابر، بل خطرٌ وجوديٌّ يتعلّق بسؤالٍ بسيطٍ ومصيريّ: من يحمي هذا البلد؟

لقد آن الأوان لأن نعترف بحقيقة طال التهرّب منها: لبنان، بهذا الحجم وبهذه البنية وبهذا الموقع، لا يستطيع أن يكون دولةَ سيادةٍ عسكريّة مكتفيةٍ بذاتها بالمعنى الصلب للكلمة. ولم يُصنَع أصلاً على هذا النحو. فمنذ نشأته، عاش هذا الكيانُ على توازناتٍ أكبرَ منه، وعلى وقائعَ إقليميّةٍ تحيط به وتضغط عليه وتحدّد هامشَ حركته. لذلك فإنّ كثيراً من الخطاب اللبنانيّ السائد اليوم ليس فقط ساذجاً، بل خطيرٌ أيضاً، لأنّه يبيع الناسَ أوهاماً سياسيّةً في لحظةٍ لا تحتمل الأوهام.

وأخطر هذه الأوهام هو ذلك الخطابُ الرومانسيّ الذي يتحدّث عن تحييد لبنان عن سياسة المحاور، وكأنّ المشكلة تكمن فقط في رغبة اللبنانيين بالانخراط أو عدم الانخراط. والحالُ أنّ لبنان لا يعيش في فراغ، ولا يجاور سويسرا، بل يجاور عدوًّا صاحبَ مشروعٍ توسّعيّ، وتهديدٍ معلن، وعدوانٍ مستمرّ، ودعمٍ دوليٍّ واسع. وفي ظلّ هذا الواقع، يصبح الحديثُ عن «الحياد» من غير إجابةٍ عن سؤال الحماية مجرّدَ صيغةٍ مهذّبة للإنكار.

لا، لبنانُ لا يريد أن يكون في محور. وهذا مفهومٌ ومشروع. لكن ماذا يفعل بلدٌ صغيرٌ ومكشوف إذا كان في جواره عدوٌّ لا يعترف أصلاً بسيادته، ولا يحتاج في عدوانه إلى ذريعة؟ هل تكفي بياناتُ الشجب؟ هل تحميه القراراتُ الدوليّة؟ هل يردعه التمنّي؟ هذه ليست أسئلةً نظريّة، بل هي أسئلةُ بقاء.


جَذرُ المَشكلة: فَشَلُ الدَّولةِ وانتِزاعُ السِّلاح

ومن هنا لا يمكن الحديث بأمانةٍ عن السلاح في لبنان من غير الاعتراف بحقيقةٍ أساسيّة: أهلُ الجنوب، الذين صادف أنّ غالبيّتهم من الشيعة، لم يحملوا السلاحَ لأنّهم مولَعون بالمحاور، بل لأنّهم تُركوا في مواجهة الخطر وحدَهم. لقد أخفقت الدولةُ اللبنانيّة، لعقود، في حمايتهم. وعندما تفشل الدولةُ في حماية ناسها، يبحث هؤلاء الناسُ عمّن يحميهم. وهذا بالضبط ما حصل. اختاروا لأنفسهم المحورَ الذي احتضنهم وفتح لهم باب السلاح والدعم، وكان ذلك هو إيران الثورة الخمينيّة.

هذه حقيقةٌ يجب قولها بلا مكابرةٍ ولا جحود. فمن السهل جدّاً، من بعيد، أن نُدين خيارات الناس تحت النار. لكن من تُترك أرضُه مكشوفة، وبيتُه مفتوحاً على التهديد، وحدودُه مستباحة، سيبحث بطبيعة الحال عن أيّ قوّةٍ تمنحه شيئاً من الردع والقدرة على الصمود. ومن الظلم الفكريّ والأخلاقيّ أن نختزل هذه التجربة كلَّها في مجرّد «تبعيّة»، من غير أن نرى الجذرَ الذي أنتجها: فشلُ الدولة.

«عندما تَفشَلُ الدَّولةُ في حِمايةِ ناسِها، يَبحَثُ هؤلاءِ الناسُ عمَّن يَحميهم. وهذا بالضَّبطِ ما حَصَل.»


المَشروعُ الذي احتَضَنَهم: إيرانُ واحتِكارُ المُقاوَمة

لكنّ الاعترافَ بهذه الحقيقة لا يعني، بأيّ حال، تبرئةَ المشروع الذي احتضنهم. فإيران لم تكن يوماً جمعيّةً خيريّة، ولم يكن مشروعُها في المنطقة مشروعَ نجدةٍ بريء. بل ثبت، بالتجربة الداميّة والمتكرّرة، أنّه مشروعٌ ذو أبعادٍ توسّعيّةٍ ونفوذٍ عابرٍ للحدود، لا يتورّع عن تفكيك المجتمعات وإعادة تشكيل الولاءات وتغذية الانقسامات ما دام ذلك يخدم تمدّده الاستراتيجيّ. وما جرى في العراق وسوريا واليمن ولبنان ليس هامشاً في هذا المشروع، بل هو صُلبُه.

وفي لبنان تحديداً، لم يكتفِ وكيلُ هذا المشروع المحليّ بمراكمة قوّة ردعٍ في وجه العدوّ، بل مارس باسم «المقاومة» كلَّ ما أفسد الداخلَ اللبنانيّ: السلبطةُ السياسيّة، والتجييشُ الطائفيّ، ومصادرةُ القرار الوطنيّ، واحتكارُ تعريف الوطنيّة والخيانة. وهنا تكمن إحدى أكبر المعضلات: فالمشكلة لم تعُد فقط في وجود سلاحٍ خارج الدولة، بل في احتكار معنى المقاومة نفسها، وكأنّ الدفاع عن الأرض قد أصبح ملكيّةً خاصّةً لجماعةٍ واحدة، ومحورٍ واحد، وقراءةٍ واحدةٍ للتاريخ والسياسة.

وبعد كلّ هذه التجارب، لا يعود ممكناً أن يُطلَب من اللبنانيين أن يسلِّموا أعناقَهم مرّةً أخرى إلى من احتكر المقاومة واحتكر معها القرارَ والمصير. لا ثقة بمحتكري المقاومة، لا لأنّ العدوَّ غير موجود، بل لأنّه موجودٌ فعلاً، ولأنّ مواجهة خطره لا يجوز أن تتحوّل إلى بابٍ مفتوحٍ لمصادرة البلد من الداخل.


بَينَ وَهمَين قاتِلَين: السِّيادةُ ليسَت شِعاراً

لكن في المقابل، لا يجوز أيضاً أن ننتقل من هذه الخلاصة إلى كذبةٍ أخرى لا تقلّ خطورةً، وهي كذبةُ الاكتفاء بشعار «الدولة». فالدولةُ اللبنانيّة، في وضعها الحاليّ، لا تملك الحدَّ الأدنى من شروط الردع. لا منظومةَ دفاعٍ جويّ، ولا قدرةً عسكريّةً توازي حجمَ التهديد، ولا قراراً استراتيجيّاً مستقلّاً، ولا شبكةَ تحالفاتٍ تضمن لها الحماية. لذلك فإنّ المطالبة بتسليم كلّ عناصر الردع إلى دولةٍ لا تملك ردعاً أصلاً ليست سيادة، بل كشفٌ كاملٌ للبلد أمام الخطر.

وهنا أصلُ المسألة: لبنانُ اليوم عالقٌ بين وهمين قاتلَين.

وهمٌ أوّل يقول إنّ حماية البلد لا تكون إلّا عبر محورٍ خارجيٍّ صادر الدولةَ من الداخل.

ووهمٌ ثانٍ يقول إنّ مجرّد تسليم السلاح إلى دولةٍ عاجزةٍ سيحوِّل العجزَ إلى سيادة.

وكلاهما كذب.

فالسيادة، في عالم السياسة لا في دفاتر الإنشاء، ليست شعاراً أخلاقيّاً ولا تعويذةً دستوريّة. السيادةُ هي القدرة على الحماية. والبلدُ الذي لا يملك أن يحمي حدودَه وسماءَه ومجتمعَه لا يكفيه أن يُعلن سيادتَه حتى يصبح سيّداً.

«السِّيادةُ، في عالَمِ السِّياسةِ لا في دَفاتِرِ الإنشاء، ليسَت شِعاراً أخلاقيّاً. السِّيادةُ هي القُدرةُ على الحِماية.»


في التَّموضُعِ الواقِعيّ: الحِمايةُ الفِعليّةُ لا الحَياد الفارِغ

من هنا، فإنّ الحلّ لا يكون في الحياد الفارغ، ولا في الارتهان لمحور، بل في إعادة تعريف موقع لبنان ضمن توازنات المنطقة على قاعدة الحماية الفعليّة. بكلماتٍ أوضح: الحلُّ هو في المطالبة بانضواء لبنان تحت مظلّة تحالفٍ إقليميٍّ حقيقيٍّ يفرض حمايةً عسكريّةً على البلد ويمنحه عمقاً استراتيجيّاً وردعاً لا يملكه وحده.

قد يبدو هذا الكلام صادماً لبعض الخطاب اللبنانيّ التقليديّ، لكنّه في الحقيقة أقلّ صدمةً بكثيرٍ من استمرار الكذب. فلبنان، بهذا الضعف وبهذا الانكشاف، لا يُحمى بالأمنيات. والدولُ الصغيرة لا تبقى بالشعارات، بل بحسن التموضع. وإذا كانت إسرائيل جزءاً من تحالفاتٍ وحمايات ومظلّاتٍ دوليّةٍ مفتوحة، وإذا كانت إيران تمدّ نفوذها عبر شبكة أذرعٍ وتحالفات، فبأيّ منطقٍ يُطلَب من لبنان وحده أن يبقى عارياً ثم يسمّي ذلك «سيادة»؟


الخِطابُ المَطلوب: شَجاعةُ الوُضوحِ السِّياسيّ

وهنا أصلُ ما يجب أن يُقال اليوم، وخصوصاً من قِبَل ممثّلي السنّة في لبنان. فالمطلوب منهم ليس خطاباً رماديّاً مرتبكاً، ولا مجرّدَ تكرار لازمة «حصر السلاح بيد الدولة» من غير أيّ جوابٍ عن سؤال البديل. المطلوب منهم أن ينتجوا خطاباً سياسيّاً ناضجاً وشجاعاً يقول بوضوح:

نحن ضدّ العدوّ، ولسنا في موقع التخفّف من خطره أو التهوين من مشروعه.

لكنّنا لسنا أيضاً في وارد تسليم البلد لمحورٍ إيرانيٍّ ثبت فسادُه وخطورتُه.

ونحن، بحكم جذورنا وامتدادنا، يجب أن نطالب بتموضع لبنان داخل عمقه الطبيعيّ،

ضمن مظلّةٍ إقليميّةٍ توفّر له الحمايةَ والردعَ والغطاء.

هذا هو الخطاب الذي يجب أن يُقال. لا خطابُ الخنوع، ولا خطابُ الرومانسيّة، ولا خطابُ الإنكار.

أمّا الاستمرار في تردّاد الشعارات القديمة، فلن ينتج إلّا مزيداً من الانكشاف. وسيبقى لبنان، كما كان دائماً، ساحةً مفتوحةً بين عدوٍّ يتربّص به ومحاورَ تتنازعه.

إنّ معضلة لبنان الحقيقيّة ليست فقط في سلاح هذا الطرف أو ذاك، بل في العجز عن تخيّل بديلٍ واقعيّ. وهذه هي المعركة الفعليّة: معركةُ الخروج من الوهم، لا من السلاح فقط. فإمّا أن يبدأ اللبنانيون، وخصوصاً من يدّعون تمثيلهم، بالتفكير بلغة الحماية الفعليّة والتموضع الذكيّ والردع الواقعيّ، وإمّا سنبقى ننتقل من ارتهانٍ إلى ارتهان، ومن وهمٍ إلى وهم، إلى أن لا يبقى من لبنان إلّا الاسم.


الأَوطانُ يَحميها مَن يَجرُؤُ على الحقيقة

لأنّ الأوطانَ لا يَحميها الحَنين، ولا البَلاغة، ولا الشِّعارات.

الأوطانُ يحميها من يفهم موقعَها، ويعرف حجمَها، ويجرؤ على أن يطلب لها ما يُبقيها حيّة.

لا حمايةً بلا ردع.

ولا سيادةً بلا قدرة.

ولا خروجٍ من الوهم بلا جرأةٍ على الحقيقة.