بَينَ التَّمجيدِ الأَعمى والهَدمِ المُعاكِس
من أكثر الأبواب التي يضطرب فيها النظر عند كثيرٍ من الناس بابُ التاريخ الإسلاميّ. وليس منشأ الاضطراب دائماً نقص المعلومات، ولا قلّة الاطّلاع على الوقائع، بل كثيراً ما يكون منشأَه فسادُ المنهج الذي تُقرأ به تلك الوقائع. فثمّة من ينظر إلى التاريخ الإسلاميّ نظرةً تمجيديّةً خاماً، كأنّ كلَّ ما وقع فيه كان امتداداً نقيّاً للوحي، وتجسيداً كاملاً للرسالة، فلا يكاد يفرّق بين الإسلام وبين كلّ ما فعله المسلمون. وفي المقابل، ثمّة من ينظر إليه بعينٍ هدميّةٍ معاكسة، فيرى ما وقع فيه من فتنةٍ أو ظلمٍ أو تنازعٍ أو انحراف، فيجعل ذلك كلَّه طعناً في أصل الرسالة نفسها، وكأنّ فسادَ بعض التطبيق كافٍ لإبطال المثال الذي يُفترض أنّه طُبِّق.
وكلا النظرين لا يظلم التاريخ فحسب، بل يظلم الدين أيضاً. لأنّ التاريخ الإسلاميّ لا ينبغي أن يُقرأ على أنّه النبوّةُ نفسُها، ولا على أنّه شيءٌ منفصلٌ عنها تماماً، بل يُقرأ على أنّه المجالُ الذي نزلت فيه معاني الوحي إلى عالم البشر؛ أي إنّه الميدان الذي التقت فيه الهدايةُ الإلهيّة بالطبيعة الإنسانيّة، بما فيها من قوّةٍ وضعف، وصفاءٍ وكدر، وصدقٍ وهوى، وعدلٍ وتقصير.
الأَصلُ المَنهجيّ: الوَحيُ مَعصومٌ، والتاريخُ اجتِهادُ البَشَر
ومن هنا فإنّ أوّل أصلٍ ينبغي أن يُحفظ في هذا الباب هو أنّ الوحيَ معصومٌ، أمّا التاريخُ فاجتهادُ البشر في حَمله. فإذا ضاع هذا الفرق، ضاع معه الفهمُ كلُّه، وصار المرءُ إمّا يُحمِّل الدينَ ما ليس منه، أو يُحمِّل البشرَ ما لا يطيقونه.
«الوَحيُ مَعصومٌ، أمّا التاريخُ فاجتِهادُ البَشَرِ في حَمْلِه. فإذا ضاعَ هذا الفَرقُ، ضاعَ مَعَهُ الفَهمُ كُلُّه.»
ومن أبسط القواعد في هذا الباب، وأشدّها إغفالاً، أنّه ليس كلُّ ما وقع في تاريخ المسلمين يُنسب مباشرةً إلى الإسلام نفسه. فليس السؤال الأوّل دائماً: «ماذا حدث؟»، بل الأهمّ أن يُسأل: كيف نَزِنُ ما حدث؟ هل هو منسجمٌ مع أصول الشريعة، أم خارجٌ عنها؟ هل هو اجتهادٌ سائغ، أم خطأٌ بيّن؟ هل هو عدلٌ، أم جور؟
وهذا في الحقيقة من خصائص الإسلام الكبرى؛ لأنّه لم يأتِ فقط بأحكامٍ تُطبَّق، بل جاء أيضاً بميزانٍ يُحاكَم به التطبيقُ نفسُه. ولهذا لم يَذُب الوحيُ في التاريخ، ولم يتحوّل مجرّدَ غطاءٍ لما يفعله الناس، بل بقي أعلى منه، حاكماً عليه، ومصحِّحاً له، ومرجعاً في نقده وتقويمه. ومن هنا كان ممكناً، بل لازماً، أن يُقال في داخل الحضارة الإسلاميّة نفسها: هذا من الشريعة، وهذا انحرافٌ عنها؛ هذا عدلٌ، وهذا ظلمٌ؛ هذا اجتهادٌ، وهذا خطأ. وهذه القدرة على التفريق من داخل المنظومة نفسها من أعظم دلائل قوّتها.
ومن هنا أيضاً ينبغي أن يُفهم أنّ التاريخ الإسلاميّ ليس فردوساً أرضيّاً نقيّاً، ولا هو سلسلةٌ متّصلةٌ من الفشل والانهيار. بل هو، في حقيقته، شهادةٌ حقيقيّةٌ على قدرة الوحي أن يتحوّل إلى واقع، دون أن يتحوّل هذا الواقع إلى كمالٍ مطلق. وهذه نقطةٌ في غاية الأهمّيّة. لأنّ كثيراً من الأفكار والمذاهب تبدو جميلةً ما دامت في الكتب، أو في مستوى المثال الأخلاقيّ المجرّد، لكنّها حين تدخل الحياة الواقعيّة، في الحكم والمال والقضاء والعلاقات الاجتماعيّة والعمران، تنهار أو تتشوّه سريعاً، أو تكشف أنّها لم تكن تملك من العمق والمرونة ما يكفي لحَمل الحياة. أمّا الإسلام، فقد خرج إلى هذا الاختبار مبكِّراً جداً، ولم يبقَ مجرّدَ نصوصٍ تُتلى أو معانٍ تُعظَّم، بل تحوّل في حياة الجيل الأوّل إلى مجتمعٍ قائم، ثم إلى دولة، ثم إلى حضارة. وهذه القدرةُ على العبور من الوحي إلى الواقع ليست أمراً هيّناً.
الرَّاشِدون: أَوَّلُ اختبارٍ حَيٍّ للرِّسالَة
ولهذا يحتلّ عصرُ الخلفاء الراشدين مكانةً فريدةً في النظر إلى التاريخ الإسلاميّ. فخصوصيّته لا ترجع فقط إلى قُربه الزمنيّ من النبوّة، بل إلى كونه أوّل اختبارٍ حيٍّ حقيقيٍّ لأثر الرسالة بعد انقطاع الوحي. فلو كانت النبوّة مجرّد أثرٍ شخصيٍّ استثنائيٍّ مرتبطٍ بالنبيّ ﷺ وحده، لكان من المتوقّع أن تخبو التجربةُ سريعاً بعد وفاته، أو أن تتفكّك، أو أن تتحوّل مباشرةً إلى صراعٍ دنيويٍّ صرف، أو أن تعجز عن إنتاج رجالٍ يحملونها في الحكم والمال والقضاء والاجتماع والجهاد والرعاية. لكنّ الذي وقع هو أنّ جيل الصحابة لم يكن مجرّد جيلٍ حفظ الألفاظ، بل كان جيلاً تشرّب المنهجَ والمقاصدَ والهيبةَ الأخلاقيّةَ والفقهَ العمليَّ وروحَ الرسالة، فاستطاع أن ينقل الإسلامَ من كونه نوراً متجلِّياً في شخص النبيّ ﷺ إلى كونه بنيةً حيّةً في العالم.
ومن هنا، فإنّ النظر إلى إنجازات الخلفاء الراشدين ليس مجرّد استدعاءٍ لذكرياتٍ مجيدة، بل هو تأمّلٌ في الوجه التطبيقيّ الأوّل للنبوّة في التاريخ. فلكلٍّ منهم وَجهُه الذي أَسهمَ به في إنزال الرسالةِ على الأرض.
أَبو بكرٍ: حِفظُ الأَصلِ في لحظةِ الاضطِراب
ففي أبي بكرٍ رضي الله عنه ترى كيف يُحمَل الأصلُ في لحظة الاضطراب. فقد واجهت الأمّةُ بعد وفاة النبيّ ﷺ أخطرَ لحظات التفكّك: ارتدّت قبائل، وامتنعت أخرى عن الزكاة، وظهرت بوادر الانفراط. وهنا لم يقف أبو بكرٍ موقفَ المتردّد، ولا نظر إلى المسألة على أنّها مجرّد خلافٍ سياسيٍّ قابلٍ للمساومة، بل أدرك أنّ الزكاة ليست عبادةً فرديّةً منفصلةً عن النظام العامّ، وأنّ التفريط بها تفريطٌ في جوهر البنية الإسلاميّة نفسها.
ومن هنا كان موقفُه الحاسم في قتال الممتنعين عن الزكاة، لا بوصفه شدّةً سياسيّة، بل بوصفه حمايةً لأصل الدين في صورته الجماعيّة. وهنا تظهر عظمةُ ذلك الجيل: أنّهم لم يكونوا يردّدون النصوصَ فحسب، بل كانوا يفهمون ما تحفظه النصوص من أصول.
عُمَر: بناء النظام العام والفِقه الحَيّ
ثم إذا انتقلتَ إلى عمرَ بن الخطّاب رضي الله عنه، وجدتَ وجهاً آخر من وجوه هذه الرسالة حين تنزل إلى الواقع: وجهَ البناء. ففي عهده لم يَعُد الأمرُ مقتصراً على حفظ الأصل ومنع التفكّك، بل بدأ الإسلامُ يكشف عن قدرته على إنشاء نظامٍ عامٍّ للحياة. ففي عهده تنظّمت الدواوين، وضُبطت الإدارة، ونُظِّم العطاء، واستقرّ بيتُ المال، وتمايزت صورٌ من القضاء والولاية والمحاسبة، وبدأت الدولة الإسلاميّة تتشكّل على نحوٍ أوضح.
لكنّ العظمة هنا لم تكن في المؤسّسات وحدها، بل في الروح التي كانت تحكمها. فقد كان عمر شديدَ التحرّج من المال العامّ، حاضرَ الحسّ تجاه الظلم، عاليَ الوعي بالمقاصد، لا يتعامل مع النصّ بوصفه ألفاظاً جامدة، بل بوصفه ميزاناً يُنزَّل على الوقائع بفقهٍ وبصيرة. ولهذا كان من أعظم ما يُستشهَد به في سيرته أنّه لم يفهم الشريعة على أنّها آليّاتٌ صمّاء، بل على أنّها عدلٌ يُراد تحقيقُه، ومقاصدُ تُفهم، وأحكامٌ تُنزَّل حيث تستقيم شروطها. ومن هنا جاء تعطيلُه حدَّ السرقة في عام المجاعة، لا لأنّه ألغى النصّ، بل لأنّه فهم النصَّ في ضوء علّته ومقصوده وسياقه. وفي هذا كلّه لا ترى إدارةً فحسب، بل ترى فقهاً حيّاً يصنع دولةً أخلاقيّة.
عُثمان: حِفظُ وَحدةِ المَرجِع
ثم يأتي عثمانُ رضي الله عنه ليكشف وجهاً آخر من وجوه الرسالة حين تدخل التاريخ: وجهَ حِفظِ المرجع. فليس أعظمَ ما يُقال في إنجازه أنّه قام بعملٍ تقنيٍّ في جمع المصحف، بل إنّه أدرك في لحظة التوسّع الإسلاميّ الكبير أنّ وحدة الأمّة لا يمكن أن تستقيم من غير تثبيت أصلها النصّيّ. فجمع الناسَ على مصحفٍ واحدٍ جامع، فحفظ بذلك وحدةَ المرجع، ومنع من أن يدخل التفرّقُ إلى قلب الدين نفسه.
وهذا في حقيقته ليس أمراً إداريّاً فقط، بل هو من أعمق وجوه البصيرة التاريخيّة؛ لأنّ الأممَ قد تتوسّع وتنتشر، لكنّها قد تفقد تماسكها إذا لم تُحسن صيانة أصلها الجامع. وهنا يظهر كيف كان الراشدون يحملون الدين لا بوصفه حماسةً إيمانيّةً فقط، بل بوصفه بنيةً يجب أن تُصان في أصولها الكبرى.
عَلِيٌّ: المِيزانُ في قَلبِ الفِتنَة
ثم يأتي عهدُ عليٍّ رضي الله عنه، لا ليقدّم صورةً من صور السهولة والصفاء، بل ليكشف وجهاً بالغَ العمق من وجوه هذا التاريخ: كيف يبقى الميزانُ قائماً في قلب الفتنة. ففي زمنه لم تكن الأزمةُ في غياب النصّ، ولا في ضياع الأصل، بل في التباس الواقع، واختلاط الاجتهادات، وتعقّد المجال السياسيّ والاجتماعيّ. وهنا تظهر قيمةُ عليٍّ رضي الله عنه لا فقط في شخصه، بل في كونه مثالاً لما يعنيه أن يَحمِلَ الإنسان العدلَ والفقهَ والهيبةَ الأخلاقيّة في زمنٍ شديد الاضطراب.
وليس من قبيل المصادفة أنّ الفقه الإسلاميّ استخرج من أحداث ذلك العهد نفسِها أبواباً كاملةً من الأحكام، كأحكام البغاة، وضوابط القتال الداخليّ، والتفريق بين التأوّل والخروج المحض، وضبط العلاقة بين وحدة الجماعة وحقن الدماء. فهنا لم تتحوّل الفتنةُ إلى مجرّد جرحٍ تاريخيّ، بل صارت أيضاً مادّةً للفهم الشرعيّ والإنسانيّ.
كَيفَ نَقرَأُ ما شَجَرَ بَينَ الصَّحابة؟
وهنا نصل إلى بابٍ شديد الحساسيّة، وهو كيف يُقرَأ ما شجر بين الصحابة رضي الله عنهم. وهذا الباب لا يستقيم إلّا إذا اجتمع فيه أصلان عظيمان لا يجوز إسقاط واحدٍ منهما لحساب الآخر.
أمّا الأوّل فهو أنّ تعظيم الصحابة جملةً، وتفضيلهم، وإجلالهم، والكفَّ عمّا شجر بينهم، من عقائد أهل السنّة المطّردة المميِّزة لمذهبهم. وليس هذا التعظيمُ عاطفةً طارئة، ولا تقديساً فارغاً، بل هو جزءٌ من فهم الدين نفسه؛ لأنّ الصحابة هم حملةُ الوحي، وواسطة نقله، وأوّلُ من تلقّاه وعاشه. ومن هنا، فإنّ النيلَ منهم ليس مجرّد إساءةٍ تاريخيّة، بل خللٌ في فهم الطريق الذي وصل به الدينُ إلى الأمّة.
وأمّا الأصل الثاني فهو أنّ هذا التعظيم لا يمنع التوثيقَ التاريخيّ، ولا التدبّر، ولا استخلاص الأحكام. لأنّ أهل السنّة لم يلغوا التاريخ، ولم يحوِّلوه إلى منطقةٍ محرّمةٍ على النظر، بل نظروا فيه، واستخرجوا منه أحكاماً شرعيّةً وإنسانيّة، من غير أن يسقطوا في سوء الظنّ أو اقتحام ما لا سبيلَ إلى العلم به.
وهنا تظهر الدقّةُ المنهجيّة العظيمة في موقف أهل السنّة. فهم يقرّرون أنّ الصحابة غيرُ معصومين أفراداً، لكنّهم مع ذلك أفضلُ هذه الأمّة، وأعظمُها حملاً للوحي، وأصفاها قصداً في الجملة. ويقرّرون أيضاً أنّ ما جرى بين كبارهم لم يكن خروجاً عن الدين، ولا صراعاً مادّيّاً محضاً بالمعنى الذي تُقرأ به الصراعاتُ الحديثة، بل دخله الاجتهاد والتأوّل، وإن وقع فيه الخطأ والخلل من حيث التطبيق. وأمّا ما في القلوب، فلا سبيلَ لأحدٍ إلى القطع به؛ لأنّ الإنسان مهما بالغ في تحليل التاريخ، فإنّه يظلّ عاجزاً عن تمييز ما جرى في الضمائر والنيّات.
ومن هنا كان المنهج الصحيح أن يُفصل بين فهم الفعل والحكم على السريرة؛ فيُقرأ الحدث، ويُفهم مساره، وتُستخلص منه الأحكام، لكن من غير سوءِ ظنٍّ مقصود، ولا اقتحامٍ لما لا يعلمه إلّا الله. ولهذا كان من تمام النضج في قراءة التاريخ الإسلاميّ أن يُقال: إنّ الفتنةَ نفسَها صارت موردَ اجتهادٍ شرعيٍّ وإنسانيّ. فلم يتعامل معها العلماء على أنّها مجرّد مادّةٍ للخصومة أو الشماتة أو التقديس الأعمى، بل استخرجوا منها أحكاماً تتعلّق بالبغاة، والقتال الداخليّ، وضبط الفتن، وأخلاقيّات النزاع، وحقن الدماء، وحدود الطاعة، ومآلات الانقسام؛ كما استخلصوا منها أيضاً حِكَماً إنسانيّةً عميقةً في فهم السلطة، والهوى، والالتباس، وخطورةِ اختلاط الحقّ بالمصالح حين يدخل المجالَ العامّ.
وهكذا اجتمع في هذا الباب أمران: تعظيمٌ وإجلال، وفهمٌ وتدبّر. وهذا هو التوازنُ الذي يضيع عند من لا يحسن القراءة. ومن هنا أيضاً ينبغي أن يُفهم أنّ تفضيلَ الأمّة للخلفاء الراشدين، واتّفاقها على تعظيمهم، ليس مجرّد عادةٍ تاريخيّة، بل تعبيرٌ عن وعيٍ عميقٍ بطبيعة ذلك الجيل وموقعه. فالأمّة لم تُجمِع على تعظيمهم لأنّهم انتصروا سياسيّاً فقط، ولا لأنّهم كانوا مجرّدَ شخصيّاتٍ قويّة، بل لأنّها رأت فيهم الصورةَ الأقربَ إلى امتداد النبوّة في الحكم، والمال، والقضاء، والاجتماع. ولهذا كان تقديمُهم في الفضل، وتعظيمُهم في الوجدان السنّيّ، جزءاً من فهم السنّة نفسها، لا مجرّدَ موقفٍ عاطفيٍّ من الماضي.
ما وَراءَ السِّياسة: الإِسلامُ في الحُكمِ والمالِ والعُمران
ثم إنّ النظر إلى التاريخ الإسلاميّ لا يكتمل إذا اقتصر على السياسة وحدها، لأنّ الإسلام لم ينزل ليبقى في حدود العبادة الفرديّة أو التهذيب الروحيّ فقط، بل دخل مجالاتِ الحكم، والمال، والسوق، والعمران، والرعاية العامّة. وفي هذا كلِّه تظهر عظمةُ الرسالة حين تخرج من المثال إلى التطبيق.
ففي باب الاقتصاد مثلاً، لم ينظر الإسلامُ إلى المال على أنّه مجرّد أداةٍ مادّيّةٍ محايدة، بل بوصفه مجالاً أخلاقيّاً وإنسانيّاً واجتماعيّاً؛ فجعل الزكاة حقّاً واجباً لا مجرّد إحسانٍ عاطفيّ، وحرّم الربا حمايةً للمجتمع من بنية الاستغلال، ومنع الغشَّ والاحتكار، وفتح السوقَ من غير أن يتركه لوحشيّة الجشع، وربط المالَ بالمسؤوليّة والعدالة.
وفي باب الحكم، لم يجعل السلطةَ مجرّدَ أداةٍ للسيطرة، بل ربطها بالأمانة، والعدل، وحقِّ الرعيّة، والتحرّج من المال العامّ، والشعور الدائم بأنّ الحاكم محاسَبٌ أمام الله قبل أن يكون صاحبَ قرارٍ نافذ. وصحيحٌ أنّ التطبيق التاريخيّ لم يثبت دائماً على أعلى صورة، لكنّ المهمّ أنّ المعيارَ ظلّ حاضراً، وأنّ الانحرافَ كان يُفهم، في وعي الأمّة العلميّ والأخلاقيّ، بوصفه انحرافاً عن أصلٍ معلوم، لا بوصفه الأصلَ نفسَه.
«قُوَّةُ الإسلامِ لا تَظهرُ في أنّه ألغى الطبيعةَ البشريّة، بل في أنّه استطاع، رغمَ بقاءِ تلك الطبيعةِ بما فيها من نَقص، أن يُنشِئَ في العالمِ قَدراً عظيماً من الخيرِ المُنَظَّم، والعَدلِ النِّسبيّ، والضَّبطِ الأخلاقيّ.»
التاريخُ أَثَرٌ، لا أَصل
وهنا تتجلّى حقيقةٌ مهمّةٌ جدّاً، وهي أنّ التاريخ الإسلاميّ ليس دليلاً على كمال البشر، بل على قدرة الوحي أن يُنتج في عالم البشر شيئاً حقيقيّاً من العدل والمعنى والنظام والعمران. وهذا هو موضع الشهادة فيه. فإذا رأيتَ فيه عدلاً، أو فقهاً راقياً، أو مؤسّساتٍ منضبطة، أو حساسيّةً أخلاقيّةً عاليةً تجاه الحكم والمال والسلطة، فهذا من أثر الرسالة. وإذا رأيتَ فيه أيضاً نقصاً، أو فتنةً، أو ظلماً، أو انحرافاً، فهذا من أثر البشريّة. ولا يُبطل أحدُهما الآخر.
إنّ التاريخَ الإسلاميَّ ليس هو النبوّة، ولا نَقضاً لها، بل هو أثرُها في عالم البشر؛ فيه من الشهادة بقدر ما فيه من التطبيق، ومن النَّقص بقدر ما فيه من البَشَريّة.
ومن هنا، فمن قرأه بوصفه معصوماً، أخطأ. ومن قرأه بوصفه فاشلاً، أخطأ أيضاً. وأمّا من قرأه على وجهه الصحيح، رأى فيه شيئاً أعمقَ من التمجيد والهدم معاً: رأى كيف يمكن للوحي أن يدخل التاريخ، فلا يُنتج ملائكة، ولكن يُنتج رجالاً، ومجتمعاتٍ، ودولاً، ومؤسّسات، وموازين، وضميراً حضاريّاً، يبقى فيه من النور ما يشهد للمصدر، وإن لم يَخْلُ من ظلال البشر.
وهنا فقط يستقيم الفهم:
لا بجَعلِ التاريخِ بديلاً عن الوحي،
ولا بجَعلِه طَعناً فيه،
بل بقراءته على أنّه أَثرٌ عظيمٌ، وإن لم يكن كاملاً، من آثارِ النُّبُوَّةِ في العالَم.
